محمود توفيق محمد سعد

249

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

* * * * * لا ريب في أنّ أساليب وأنماط البناء التركيبيّ إنما هي أساليب وأنماط جدّ عديدة لا تكاد يحاط بها فضلا عن أن تحصى ، وهذا يقيمنا في مقام المضطر إلى أن يأخذ وأن يدع ، وأن يجمل وألا يستوفي التفصيل فيما يأخذ ، فثمّ معابتان لا قبل لي أن أتطهر منهما : معابة أخذ بعض الأساليب وترك بعضها ، ومعابة الإجمال أو الاكتفاء من الأسلوب ببعض صوره ، فهذه معابة في البحث العلمي نكراء أبغضها أيّما إبغاض . كم كنت راغبا في ألا أتلطخ بأي منهما ولكنّ الغاية التي نصبت لهذا البحث لا تدع لي مجالا للتقية . * * * ومن النظم التركيبيّ الذي عنى به البقاعي مثلا التخصيص ومسالكه الذي يطلق عليه البلاغيون ( القصر ) ومن البيّن أنّ مسالك التخصيص في العربية جدّ عديدة ، وإن كانت عناية البلاغيين بضرب ذي خصوصية في الدلالة على التخصيص ، فهم في دراستهم لطرق القصر اختاروا طرائق معينة ( النفي والاستثناء ، وإنما ، والتقديم ، والعطف ب ( بل ) و ( لكن ) ، و ( لا ) وضمير الفصل وتعريف الطرفين . وكان معيار الاصطفاء هو طريق الدلالة على ذلك المعنى ، وليس كلّ ما دلّ على التخصيص عند غير البلاغيين هو من التخصيص الاصطلاحي عند البلاغيين الذي يسمونه ( القصر ) ومن ثمّ فإنّ دراسة طرق القصر عند البلاغيين هو - عندي - من علم البيان وليس من علم المعاني . « 1 »

--> ( 1 ) - علم البيان هو العلم المعنىّ بدراسة طرائق الدلالة على المعاني ، وليس هو بالمعنىّ بدراسة المعاني نفسها ولا دراسة كيفية تركيب وتأليف الصورة الدالة على المعنى علينا أن نفرّق بين دراسة المعنى نفسه من حيث هو ، ودراسة الصورة الدالة عليه من حيث منهاج تأليفها ، ودراسة صورة المعنى من حيث وجه دلالتها وطريق دلالتها على ذلك المعنى . كلّ دراسة لطريق دلالة الصورة على المعنى هي من علم البيان أيّا كانت الصورة : تشبيها أو تقديما أو حذفا ، أو أمرا أو نهيا أو فصلا ووصلا أو تورية أو مطابقة أو تجنيسا . . . إلخ ومن ثمّ فإن علم البيان وسيع غير محصور في التشبيه والمجاز